الغزالي

231

إحياء علوم الدين

وكذا اللبن يقع فيه وهو قليل فتبطل صفته ، ويتصوّر بصفة الماء وينطبع بطبعه ، إلا إذ كثر وغلب . وتعرف غلبته طعمه أو لونه أو ريحه فهذا المعيار وقد أشار الشرع إليه في الماء القوى على إزالة النجاسة ، وهو جدير بأن يعول عليه ، فيندفع به الحرج ، ويظهر به معنى كونه طهورا ، إذ يغلب عليه فيطهره ، كما صار كذلك فيما بعد القلتين ، وفي الغسالة ، وفي الماء الجاري ، وفي إصغاء الإناء للهرة ولا تظن ذلك عفوا إذ لو كان كذلك لكان كأثر الاستنجاء ودم البراغيث حتى يصير الماء الملاقى له نجسا ، ولا ينجس بالغسالة ، ولا بولوغ السنور في الماء القليل وأما قوله صلَّى الله عليه وسلم : « لا يحمل خبثا » فهو في نفسه مبهم ، فإنه يحمل إذا تغير . فان قيل : أراد به إذا لم يتغير ، فيمكن أن يقال : إنه أراد به أنه في الغالب لا يتغير بالنجاسات المعتادة . ثم هو تمسك بالمفهوم فيما إذا لم يبلغ قلتين ، وترك المفهوم بأقل من الأدلة التي ذكرناها ممكن . وقوله : « لا يحمل خبثا » ظاهره نفى الحمل أي يقلبه إلى صفة نفسه ، كما يقال للمملحة لا تحمل كلبا ولا غيره أي ينقلب ، وذلك لأن الناس قد يستنجون في المياه القليلة وفي الغدران ويغمسون الأواني النجسة فيها ثم يتردّدون في أنها تغيرت تغيرا مؤثرا أم لا . فتبين أنه إذا كان قلتين لا يتغير بهذه النجاسات المعتادة فإن قلت : فقد قال النبي صلَّى الله عليه وسلم : « لا يحمل خبثا » ومهما كثرت حملها ، فهذا ينقلب عليك فإنها مهما كثرت حملها حكما كما حملها حسا ، فلا بد من التخصيص بالنجاسات المعتادة على المذهبين جميعا وعلى الجملة فميلى في أمور النجاسات المعتادة إلى التساهل ، فهما من سيرة الأولين ، وحسما لمادة الوسواس ، وبذلك أفتيت بالطهارة فيما وقع الخلاف فيه في مثل هذه المسائل الطرف الثالث في كيفية الإزالة والنجاسة إن كانت حكمية وهي التي ليس لها جرم محسوس ، فيكفي إجراء الماء على جميع مواردها . وإن كانت عينية فلا بد من إزالة العين . وبقاء الطعم يدل على بقاء العين .